ما تناولنا في المقالين السابقين  تنافست  دور النشر والدول في طرح بضاعتها التي شملت كل قاعات المعرض الكبرى المجهزة بأحدث وسائل التقديم وأفضل أنشطة الترفيه والخدمات ومن بينها المقاصف ومراكز الاتصالات المتعددة، وظل النشاط الثقافي يستضيف كل يوم فعالية جديدة جاذبة للحضور بجميع فئاتهم العمرية بالإضافة إلى المسابقات في مجالات مختلفة.
في السنوات الماضية كانت بعض دور النشر السودانية تشارك هذا عداً عن  الجناح الخاص بالسودان والذي تقف عليه وزارة الثقافة، ولكن هذا العام وبسبب ما تعانيه البلاد من أزمات لم تشارك تلك الدور ولكن جناح وزارة الثقافة كان حاضراً رغم تواضع ما عرض به من كتب، وكان يمكن للجناح أن يكون أفضل من ذلك بالتنسيق المباشر بين الوزارة ودور الجالية السودانية التي تمتلك الكثير من المعينات الثقافية التي أعلمها، أو بعض المهتمين بالثقافة من السودانيين بالقاهرة وما أكثرهم، هذا بالإضافة إلى إحكام التنسيق مع السفارة ممثلة في المستشارية الثقافية التي يقف على رأسها حالياً الدكتور مرتضى علي عثمان وهو شاب نشط يحمل كثيراً من صفات اسمه ورغم تلك الملاحظات فالمشاركة نفسها تعد انجازاً، لذلك حرصنا على زيارة الجناح أكثر من مرة احتفاء بلالوبنا ذاك
في مقابل مشاركتنا المتواضعة كان جناح الدولة الشقيقة الوليدة جنوب السودان غنياً لدرجة ألا تجد ممراً تمشي به بين الكتب فقد زرناه وحضرنا توقيعاً لكتاب للدكتور أبكر آدم إسماعيل أحد قيادات الحركة الشعبية جناح الحلو، وكان عنوانه صراع المركز والهامش،وهو طبعة جديدة تولت تمويلها إحدى المنظمات كما جاء في مقدمة الكتاب. ربما كان سبب نجاح الجناح هو أن تولته واحدة من  الناشرات النشطات وهي قاتا يمبا- مدير دار ويلوز هاوس للنشر وقاتا عندما تعرفنا عليها  علمنا أنها من إنتاجنا فهي أيضا خريجة قسم الإعلام بكلية الآداب بجامعة جوبا
ورغم جراحات الصومال الممتدة إلا أن جناحها أيضا كان متميزاً تقوم عليه طالبات صوماليات دارسات بمصر قدمن الكثير من  الكتب باللغتين العربية والصومالية التي حولها للأسف الرئيس الصومالي الراحل محمد سياد بري إلى الحروف اللاتينية بعد أن كانت بالحرف العربي، وذلك في إطار موجة الاستلاب الثقافي التي لم تسلم منها حتى تركيا حين حولت حروف لغتها أيضا إلى اللاتينية واشتمل المعرض كذلك على العديد من المقتنيات الثقافية الصومالية وبعض المطبقات والمنشورات التعريفية التي توزع كهدايا للزائرين هذا بالإضافة إلى شاشة عرض ضخمة تقدم وثائق تعريفية عن تاريخ وحاضر الصومال الكبير الذي يضم خمسة من الأقاليم  التي ترمز إليها النجمة الصومالية وان تناقصت الآن إلى إقليم واحد فقط هو الصومال الإيطالي.
وفي جناح موريتانيا سعدت بالتعرف أكثر على بلاد المليون شاعر، وأنا من المعجبين بكتابات الأديب والإعلامي الموريتاني الراحل (خي بابا شياخ) الذي عمل في الإذاعة الموريتانية ثم القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية مع الطيب صالح وحسن الكرمي وليلى طنوس، في ذلك الجناح اطلعت على كتاب السفير محمد ولد لبات وسيط الإتحاد الأفريقي لحل مشكلة انتقال الحكم في السودان عام 2019م بعد ذهاب نظام الإنقاذ، وكان عنوان الكتاب ( المصالحة)  وقد حكى فيه كثيراً عن خبايا وأسرار تلك الفترة.
لم ننس زيارة جناح فلسطين الذي يقوم عليه أدباء وشعراء ويعرض كتباً متنوعة ومقتنيات ثقافية فلسطينية، وكانت تلك مناسبة تعرفنا  فيها على السودان بعيون الإخوة الفلسطينيين الذين حكوا لنا عن مجاهدات آباءنا منذ أيام النكبة الأولى عام 1948م  مروراً بكل حروب تحرير فلسطين وكيف تجسد ذلك واقعاً ممتداً من خلال وجود حي السودانية في مدينة غزة ووجود العديد من الضباط السودانيين في الجيش الفلسطيني بعد أن منحوا تلك الجنسية، وشد ما أوقفتني قصة أسير سوداني تم إطلاق سراحه بعد عشرين عاماً من الأسر فاختار البقاء في فلسطين بدلاً عن العودة إلى موطنه الأول السودان ، وقد تم استيعابه الآن ضابطا في الجيش الفلسطيني الذي هو امتداد لقوات منظمة التحرير الفلسطينية، وهنا تذكرت مرة أخرى حسن الكرمي  العالم اللغوي والأديب والإعلامي الفلسطيني الذي زار  السودان والتقى بالرئيس  الراحل إسماعيل الأزهري.كان جناح فلسطين فرصة  للتعرف على أخوين عزيزين هما بسام حسونة أحد إداريي وزارة الثقافة في غزة والكاتب الكبير محمود  جودة الذي أهداني مجموعة قصص قصيرة بعنوان غزة اليتيمة.
كان المعرض سانحة زيارة العديد من أجنحة الدول والشركات التي لم تضعها فرصة للظهور ولكن اتساع المكان وطول هذا المقال جعلاني أكتفي بتلك المشاهدات لحين زيارة  ثانية ومقالات أُخر إن مد الله في الآجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.